عبد الرزاق اللاهيجي
48
شوارق الإلهام في شرح تجريد الكلام
يقتضي وجود الموضوع قولكم ان ثبوت الشيء فرع ثبوت المثبت له في نفسه قلنا معنى الايجاب ان ما صدق عليه الموضوع ما صدق عليه المحمول من غير أن يكون هناك ثبوت امر لامر بمعنى الوجود والتحقق فيه وانما ذلك بحسب العبارة وعلى اعتبار الوجود الذهني وهو نفس المتنازع فيه بل اللازم هو تميز الموضوع والمحمول في التعقل ولا نسلم ان التعقل بحصول الشيء في العقل والّا لكان العلم بشيء ما كافيا في اثبات المطلوب أجيب بأنه لا بدّ في فهم الشيء وتعقله وتميّزه عند العقل من تعلق بين العاقل والمعقول سواء كان العلم عبارة عن حصول صورة الشيء في العقل أو عن إضافة مخصوصة بين العاقل والمعقول أو عن صفة ذات إضافة والتعلق بين العاقل والعدم الصرف محال بالضرورة فلا بد للمعقول من ثبوت في الجملة وإذ ليس في الخارج ففي الذهن وقد يجعل هذا استدلالا على حدة بان يقال انا نتعقل أمورا لا وجود لها في الخارج ولا بد في فهم الشيء وتعقله إلى آخر الكلام قال سيد المدققين وتوضيحه ان موجودية الماهيّة متقدمة على ثبوت ساير أوصافها لها بل على ثبوت ذاتياتها لها في نفس الامر كما صرّح به المصنف في مصارع المصارع وأيضا بديهة العقل تشهد بانّ الماهية ما لم يكن لها ضرب من الوجود لم يكن لها صفة أصلا بل لا يكون في هذه المرتبة ماهية بالفعل ولا شيء من الأشياء فكيف يتعلق لها العاقل ثم قال ولا ينفى ذلك ان يعيّن العاقل معدوما باقتضائه امرا كذا وكذا كما تعين المواد باستعداداتها صورا واعراضا وحينئذ يتعين ذلك المعدوم ويجوز ان يتعلق به العاقل قبل وجوده قال فاعرف ذلك لأنه مرقاة إلى معرفة كيفية علم الباري تعالى بالمعدومات انتهى وفيه كلام لعلك ستطلع عليه إن شاء الله تعالى فهذا الجواب كما ترى جواب بتغيير الدليل ورجوع إلى استدلال آخر فالأولى ان يجاب بان الايجاب في قولنا هذا ذاك ليس معناه الا الحكم بثبوت ذاك لهذا بالضرورة كيف والحمل الايجابي ليس الا الحكم بالثبوت الرابطي ومنع ذلك مكابرة صريحة والموجود في الذهن انما هو الصّورة المخالفة في كثير من اللوازم إشارة إلى الجواب عن متمسكات النافين للوجود الذهني وهم جمهور المتكلمين فان بعضهم قائلون به ولما كان مبنى الوجود الذهني على استلزام التعقل ايّاه وقيام الموجود الذهني بالذهن اقتصر المانعون على نفيه بوجوه الأول لو كان تصور الشيء مستلزما لحصوله في العقل لزم من تصور الحرارة والبرودة والاستقامة والاعوجاج ان يكون الذهن حارّا باردا مستقيما معوّجا وهو محال لما فيه من اجتماع الضدين واتصاف الذهن بما هو من خواص الأجسام الثاني انه يلزم ان يحصل السماوات مثلا بعظمها في العقل عند تعقلها وفي الخيال عند تخيلها وهو باطل بالضرورة الثالث انه يلزم من تعقلنا للمعدومات وجودها في الخارج لكونها موجودة في العقل الموجود في الخارج مع القطع بان الموجود في الموجود في الشيء موجود في ذلك الشيء كالماء الموجود في الكوز الموجود في البيت والجواب عن الكل انه مبنى على عدم التفرقة بين الوجود المتاصّل الّذي به الهوية العينية وغير المتأصل الّذي به الصّورة العقلية فان المتصف بالحرارة مثلا ما يقوم به هوية الحرارة لا صورتها والتضاد انما هو بين هويتى الحرارة والبرودة لا بين صورتيهما وكذا في الاستقامة والاعوجاج وأمثال ذلك والمعلوم بالضرورة استحالة حصوله في العقل والخيال هو هويّات السّماوات وأمثالها لا صورها الكلية والجزئية والموجود في الموجود في الشيء انما يكون موجودا في ذلك الشيء إذا كان الوجودان متأصّلين ويكون الموجودان هويتين كوجود الماء في الكوز والكوز في البيت بخلاف وجود المعدوم في الذهن فان الحاصل في الذهن من المعدوم صورة ووجود غير متأصّل ومن الذهن في